ابن بسام
628
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة
دوني برؤيته ، فلو حظيت بمثل ما به حظيت ، لبلغ قلبي غاية أمنيته . أمثال [ 1 ] أضربها عليك ما لها أمثال ، وسلسال أمزجه لديك يحيا به الصّلصال ، يا أيها الخطي الذي أنبته وشيجه ، يا أيها الأعوجيّ الذي هذّبه [ 2 ] تخريجه ، يا أيها الفرع الذي ثبت أصله فوق السّماء ، وشمخ سنخه بناصية الجوزاء : إذا ثبتت فوق السّماء أصوله * فأين أعاليه وأين الذوائب ؟ بعد صيتك في النّباهة حتى طبّق الغبراء ، وصعد سروك في الجلالة حتى آنق الخضراء ، لو اقتصرت على ما بنى لك أوّلك ، لسبق جهد السّابقين مهلك ، بل بنيت على ما بنوا ، وسموت كما سموا ؛ فلو فضّت خواتم الطين ، عن آبائك الأكرمين ، لبصرت بعظامهم تهتزّ وهي رميم ، إعجابا بما أهداه إليها سعيك الكريم : فقد يضحك الحيّ سنّ الفقيد * فتهتز أعظمه بالعراء خطبت ودّك ، فإن ترني كفوا ، بلغت المبالغ الشاسعة [ 3 ] عفوا ، ظمئت إلى شمول تلك الشمائل ، فإن سقيتني منها نغبة ، سرت فيّ الأريحيّة حقبة . ما أرى الفقيه يعلم من أمري ، أكثر من معرفته بضئضئي / ونجري . سألمع لك في شأني بلمعة [ 4 ] واختصر ، فقد يروي - وإن قلّ - الزّلال الخصر . كان مدّة في يدي زمام بلدي ، ثم نقلت إلى حمص ، وكانت لخم متى شاءت أمرا لم تعص ، فلما رمت بصنهاجة اللّجج ، وثار لهم ذلك الرّهج ، في يوم أشرعت فيه الأسنة ، وأجهضت لشدة خطبه الأجنة ، فانتهب مالي كما انتهب مال المصر ، وكسد في حمص [ 5 ] سوق النظم والنثر ، زهدنا فيها [ 6 ] فمقتناها ، وسكتنا عن الكتابة فما أبنّاها ، ولجأنا إلى غافق [ 7 ] ، بعلق من الأدب غير نافق ، بحيث يتساوى الجهل والعلم ، ويصفع البليغ الفدم ؛ وإني - أعزّ اللّه الفقيه - وإن كان أوطاني اللّه منها أوطاني ، وأعطاني منها أعطاني ، وآواني منها إيواني ، لعدم الشكل ، لغريب فيها بين الأحبة والأهل . فإن تبك عين الفقيه الشفيق ، ضياع صديق ، فلتبك مني لطائر كريم ، ردّ
--> [ 1 ] من هنا يبدأ النقل من نثره في المسالك . [ 2 ] ط : أدبه . [ 3 ] ب م والمسالك : الواسعة . [ 4 ] ب م والمسالك : سألمح . . . بلمحة . [ 5 ] ب م : بإشبيلية . [ 6 ] ب م : زهدنا في حمص . [ 7 ] غافق : من كورة فحص البلوط .